فقد جاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما – في قوله – تعالى -: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (المائدة:44) أنه قال: " ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وفي رواية أنه، قال: " كفر لا ينقل عن الملة " (1)
وقال عطاء: " كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق " (2)
* وقال طاووس: " ليس بكفر ينقل عن الملة " (3) " وعند ما جاء نفر من الإباضية لأبي مجلز، فقالوا له: يقول الله: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).) فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: من الآية47). قال أبو مجلز أنه يعملون بما يعملون – يعني الآمراء – ويعلمون أنه ذنب " (4)
ومما يجدر التذكير به – في هذا المقام – أن هناك من حمّل كلام ابن عباس – رضي الله عنهما – وغيرها من الآثار السابقة – ما لا يحتمله، فآساءوا فهمها، والمراد منها، ولذا فلا بد من التنبيه على ما يلي:
1 - أن ظاهر سياق تلك الآيات في قوله – تعالى -: (((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)). وما بعدها .. يدلّ على أن المعنى المقصود أصلاً بالكفر والظلم والفسق فيها، هو الكفر الأكبر، والظلم الأكبر، والفسق الأكبر (5)
كما يوضح ذلك سبب نزولها، حيث إنها نزلت في اليهود – كما سبق بيانه (6) ثم إن هؤلاء الأئمة – كابن عباس وغيره عمُّوا بها غير الكفار (7) وقالوا: كفر دون كفر، مع أن سياق الآيات على أنها في الكفار، كما جاء في آخر رواية البراء بن عازب – رضي الله – عنه – في سبب نزول تلك الآيات: (في الكفار كلها).
2 - أن ما قاله أبو مجلز– رحمه الله – للإباضية، كان جواباً عمّا أراه من إلزامه بتكفير الأمراء، لأنهم في معسكر السلطان ... ولأنهم ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عنه ,
(1) رواه الحاكم في المستدرك 2/ 313، والمروزي في تعظيم الصلاة 2/ 522.
(2) رواه ابن جرير في تفسيره 6/، 148، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة 2/ 522.
(3) رواه ابن جرير في تفسيره 6/ 148، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة 2/ 522.
(4) رواه ابن جرير في تفسيره 6/ 146.
(5) ويؤكد ذلك أن الكفر هاهنا - جاء معرفاً باللام، وفرق بين الكفر المعرف باللام، وبين كفر منكر، أنظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 1/ 208.
(6) انظر: ص 61، 62 من هذا الحديث، وانظر: مجموع الروايات في سبب نزول تلك الآيات في تفسير ابن جرير 6/ 140 - 148.
(7) انظر: ما كتبه الشاطبي في الموافقات 3/ 285 في بيان سر تعميم السلف لمثل هذه الآية ونحوها.