[إلى الطاغوت] دون نفسه [أي التحاكم] للتنبيه على أن إرادته مما يقضي منه العجب، ولا ينبغي أن يدخل تحت الوقوع فما ظنك بنفسه؟ " (1)
كما دلت الآية على أن إرادة التحاكم إلى الطاغوت إيمان بهذا الطاغوت، ومن ثم فهو كفر بالله – تعالى – حيث أن الله – تعالى – قد فرض على عباده الكفر بالطاغوت، والإيمان به – تعالى – حيث قال – سبحانه-: ((فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ)) (البقرة: من الآية256). ويقول – عز وجل - ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة:31)
* يقول ابن تيمية – في معنى هذه الآية: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله، وتحريم ما أحلّ الله (2) اتباعاً لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يُصَلُّون لهم، ويسجدون لهم – فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء.
والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إنما الطاعة في المعروف " (3)
* وأمر آخر وهو أن المحكوم بتلك القوانين راضياً بها فهو كافر، لأن الراضي بالكفر كفاعله يدلّ على ذلك قوله – تعالى -:
(1) تفسير أبي السعود 1/ 724.
(2) مما يجدر عليه هاهنا: أن هذا الاستحلال، أو الجحود ليس تكذيباً باللسان فقط، كما هو عند المرجئة – فإن هذا الاستحلال والجحود يعتبر في حد ذاته كفراً، وإن لم يكن هناك متابعة أو طاعة لأولئك الأرباب، ومناط الكفر هاهنا، هو القبول والمتابعة في هذا التبديل .. ولمزيد من التفضيل والبيان راجع ما سبق إيراده من كلام ابن تيمية وابن جرير ص 68، 69.
(3) الفتاوى 7/ 70.