وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله – تعالى – أو أوامر الرسول-صلى الله عليه وسلم- فهو خارج من الإسلام، سواءً ردة من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول، والامتناع عن التسليم " (1)
* كما يقرر ابن تيمية: اتفاق العلماء على وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من الشرائع الظاهرة المتواترة، وإن كانت مقرة بتلك الشريعة، فيقول:
" كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة – رضي الله عنهم – مانعي الزكاة، فاتفاق الصحابة – رضي الله عنهم – على القتال على حقوق الإسلام عملاً بالكتاب والسنة " (2) إلى أن قال – " فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم، أو التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين، ومحرماته. التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرّة بها، وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً بين العلماء " (3)
- ويفصّل ابن تيمية هذه المسألة تفصيلاً شافياً عند ما بيّن أن من أبى وامتنع عن حكم الله – تعالى – وإن كان معترفاً بهذا الحكم – فهو أشدّ كفراً ممن جحد هذا الحكم، فيقول: " إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرّمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرّمه وأوجبه، فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرّمه، أو أنه حرّمه، لكن امتنع من قبول هذا التحريم، وأبى أن يذعن لله وينقاد، فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبراً، كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج، فإن العاصي المستكبر، وإن كان مصدقاً بأن الله ربه، فإن معاندته له، ومحاداته تنافي هذا التصديق، وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً، فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها،
(1) أحكام القرآن للجصاص 3/ 181.
(2) الفتاوى 28/ 502.
(3) الفتاوى 28/ 502، وانظر: الفتاوى 28/ 519، 20/ 91، 92.