وإذا كان هذا الصنف من جنس التتار .. فكذلك هم من جنس اليهود عند ما حكموا بما يخالف حكم الله – تعالى – وهم يعلمون ذلك، كما جاء مبيناً في حديث البراء بن عازب –رضي الله عنه – حيث قال: مُرّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- بيهودي محمّماً (1) مجلوداً، فدعاه -صلى الله عليه وسلم- فقال: هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى. أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا! ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكن كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " اللهم إني أولّ من أحيا أمرك إذا أماتوه " فأمر به فرجم، فأنزل الله – عز وجل -: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)) إلى قوله: ((إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ)) (المائدة: من الآية41)
يقول ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد، فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروه، فأنزل الله – تعالى – ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (المائدة: من الآية44) ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) (المائدة: من الآية45) ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) (المائدة: من الآية47) في الكفار كلها " (2)
فمناط الكفر – هاهنا – ما تلبّس به هؤلاء اليهود من تجويز الحكم بغير ما انزل الله، وتبديل حكم الله – تعالى – فاليهود كفروا لتغييرهم حكم الله – تعالى – فجعلوا التحميم والجلد بدلاً من الرجم، وهم يعلمون خطأهم (3)
- ويقول ابن القيم - عن هذه الحالة -: " إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيّر فيه مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر " (4)
- ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: " من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، عليه السلام، فهو كافر " (5)
(1) أي مسوّد الوجه، من الحُممة: الفحمة.
(2) رواه مسلم 3/ 1327 رقم الحديث 1700.
(3) انظر رسالة ضوابط التكفير للقرني ص 219، وحد الإسلام للشاذلي ص 381، 382 ,
(4) مدارج السالكين 1/ 337، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 2/ 446.
(5) مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب 1/ 387.