بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) (النساء:65)
- يقول ابن حزم: " فسمّى الله – تعالى – تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم إيماناً، وأخبر الله – تعالى – أنه لا إيمان إلا ذاك، مع أن لا يوجد في الصدر حرج مما قضى، فصحّ يقيناً إن الإيمان عمل وعقد وقول، لأن التحكيم عمل، ولا يكون إلا مع القول، ومع عدم الحرج في الصدر وهو عقد " (1)
- ويقول ابن تيمية: " فكل من خرج عن سنة رسول الله، -صلى الله عليه وسلم- وشريعته، فقد أقسم الله بنفسه المقدسة، أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع ما شجربينهم من أمور الدين أو الدنيا، وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه " (2)
- ويقول الشوكاني عند تفسيره لقوله – تعالى – ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ)) (النساء: من الآية65) " وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة، فإنه أولاً أقسم – سبحانه – بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لم يكتف - سبحانه – بذلك حتى قال: ((ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ)) (النساء: من الآية65) فضم إلى التحكيم أمراً آخر، وهو عدم وجود حرج، أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب، وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضمّ إليه قوله: ((وَيُسَلِّمُوا)) أي يذعنوا، وينقادوا ظاهراً وباطناً، ثم لم يكتف بذلك، بل ضمّ إليه المصدر المؤكد فقال: ((تَسْلِيماً)). فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلّم لحكم الله وشرعه تسلمياً لا يخالطه ردّ، ولا تشوبه مخالفة " (3)
وتحكيم شرع الله – تعالى – ورد النزاع إلى نصوص الوحيين شرط في الإيمان، كما قال الله - تعالى -: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً) (النساء: من الآية59)
- ولذا يقول ابن القيم: " إنه قوله (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) نكرة في سياق الشرط تعمّ كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقّه وجلّه، جليله وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله
(1) الدرة ص 338.
(2) الفتاوى 28/ 471. وانظر الفتاوى 35/ 363، 407.
(3) فتح القدير للشكوكاني 1/ 484.