ثم قال : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل, قال: فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة , فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله, قال أبو صالح : فلو أن قريشا كلها فخرت بلك لكان فخرا , فما رأيت هذا لأحد من الناس (1) .
فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي جمع بين هذه العلوم المتنوعة وتفوق فيها كلها , مما يدل على قوة حافظته وحدة ذكائه .
ومن شواهد سعة علمه ما أخرجه الحاكم من حديث أبي وائل قال : حججت أنا وصاحب لي , وابن عباس على الحج [ يعني أميرا] فجعل يقرأ سورة النور ويفسرها فقال صاحبي : ياسبحان الله ماذا يخرج من رأس هذا الرجل , لو سمعَتْ هذا الترك لأسلمَتْ . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي (2) .
ومع سعة علمه فإنه كان غوَّاصا على دقائق المسائل ولطائف المعاني , ومن شواهد ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرَّق قوما فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرِّقهم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لاتُعذِّبوا بعذاب الله " ولقتلتهم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "من بدَّل دينه فاقتلوه" (3) .
وذكره الإمام الذهبي من طريق آخر عن عكرمة وزاد فيه : فبلغ ذلك عليٍّا فقال: ويح ابن أم الفضل , إنه لغواص على الهَنَات (4) .
وهذه كلمة تدل على إعجاب عليٍّ بدقة علم ابن عباس وعمقه , حيث يغوص على النوادر والغرائب من العلم .
ومما يشهد لغزارة علم ابن عباس مارُوي عن طاووس قال: أدركت نحوًا من خمسمائة من الصحابة إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يُقَرِّرهم حتى ينتهوا إلى قوله (5) .
(1) … حلية الأولياء 1/320 – 321 , البداية والنهاية 8/302 .
(2) … المستدرك 3/537 .
(3) … صحيح البخاري / الجهاد رقم 3017 .
(4) … سير أعلام النبلاء 3/346 .
(5) … سير أعلام النبلاء 3/351 .