تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الأخبار الجيدة في بيان شوق طلاب العلم وحرصهم الشديد على التحصيل العلمي مارُوي عن الإمام أبي الفضل محمد بن طاهر قال : كنت يوما أقرأ على أبي إسحاق الحبَّال جزءًا فجاءني رجل من أهل بلدي وأسرَّ إليّ كلاما قال فيه : إن أخاك قد وصل من الشام , وذلك بعد دخول الترك بيت المقدس وقَتْل الناس بها , فأخذت في القراءة فاختلطت عليَّ السطور ولم يمكني أن أقرأ , فقال أبو إسحاق : مالك ؟ قلت : خير , قال : لابد أن تخبرني , فأخبرته , فقال: وكم لك لم تر أخاك ؟ قلت : سنين , قال : ولِمَ لاتذهب إليه ؟ قلت : حتى أُتِمَّ الجزء , قال: ما أعظم حرصكم يا أهل الحديث ! قد تَمَّ المجلس , وصلى الله على محمد , وانصرف (1) .

فهذا مثل من حرص طلاب العلم الشديد على العلم , فابن طاهر قد غلبت عليه الفرحة بقدوم أخيه الذي كأنما ولد من جديد , بسلامته من الحروب التي جرت آنذاك في الشام بين المسلمين وأعدائهم , وكان في شوق بالغ للقائه فغلب عليه ذلك حتى خلط في قراءته , ومع ذلك استمر في الدرس , وهذه الصورة الحية من الصور التي تبين لنا سبب تفوق طلاب العلم الظاهر في العصور السابقة في الحفظ والفهم , فهم غير مجبورين على التعلم , ولامسوقين إليه بحكم العادة أو خوف الملامة من الأهل والأقارب بتركه , وإنما أقبلوا عليه بشغف بالغ وشوق قاهر غلب على مشاعرهم حتى نَحْوَ والديهم وأقاربهم أحيانًا , فأنتجوا تلك المؤلفات العظيمة , وعمروا عصورهم بالعلم الزاهر الحي .

(1) … سير أعلام النبلاء 19/367 .

مواقف علمية · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مواقف علميةص ٥٨