قال أبو عبد الله الحاكم : سمعت الأصم (1) وقد خرج ونحن في مسجده , وقد امتلأت السكة من الناس في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثلاثمائة , وكان يملي عشية كل يوم اثنين من أصوله , فلما نظر إلى كثرة الناس والغرباء وقد قاموا يُطَرِّقون له , ويحملونه على عواتقهم من باب داره إلى مسجده , فجلس على جدار المسجد , وبكى طويلا , ثم نظر إلى المستملي فقال: اكتب : سمعت محمد بن إسحاق الصَّغاني يقول : سمعت الأشجّ , سمعت عبد الله بن إدريس يقول: أتيت يوما باب الأعمش بعد موته فدققت الباب , فأجابتني جارية عرفتني : هاي هاي , تبكي: ياعبد الله , مافعل جماهير العرب التي كانت تأتي هذا الباب ؟ ثم بكى الكثير , ثم قال : كأني بهذهب السكة لايدخلها أحد منكم , فإني لا أسمع وقد ضعف البصر , وحان الرحيل وانقضى الأجل (2) .
ففي هذا الخبر مثل على كثرة طلاب العلم وازدحامهم حول بيوت الشيوخ ومساجدهم, كما أنه شاهد على ما كان يقوم به طلاب العلم من احترام العلماء وإعزازهم .
وماذا يريد ذلك الجم الغفير من الحافظ محمد بن يعقوب ؟ هل لديه مال يصيبون منه ؟ أو جاه دنيوي يتوصلون به إلى مايريدون من مناصب الدنيا ؟
بلى , إن لديه كنز الدنيا والآخرة .
إن لديه ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم - , فلا عجب أن ازدحم حول بيته ومسجده طلاب العلم الوافدون من الآفاق .
* * *
- مواقف في الاهتمام بالعلم –
(10)
من مواقف أبي علي النيسابوري رحمه الله :
ومن ذلك مارُوي عن أبي علي الحسين بن علي النيسابوري قال : قدمت بغداد على الفريابي وقد قطع الرواية فبكيت بن يديه , فما حدثني , ورأيته حسرة (3) .
فهذا مثل من الاهتمام العالي بالعلم إلى الحد الذي يصل إلى حد البكاء حسرة على فواته .
(1) …هو الإمام محمد بن يعقوب السناني النيسابوري .
(2) …سير أعلام النبلاء 15/ 458 – 459 .
(3) … سير أعلام النبلاء 16/56 .