" يجب أن تجلس معي وتصالحني وترضى بكل ما فعلته معك من قتل وتشريد لأهلك واعتصاب لأرضك وأملاكك وتزوير لتاريخك وفكرك، وإن لم تفعل فأنت إرهابي ومخرب، لا مهرب لك ولا نجاة، فقد سُدَّت في وجهك أبواب العالم يا عدوا السلام! ".
لقد سمعت شريطاً لجلسة تضم مجموعة من تلاميذ الشيخ ومحبيه معه، يحاولون أن يبينوا له المخاطر المترتبة على هذا الذي يسمى خطأً بالـ "صلح "، وكيف أن بنود اتفاقياته تتضمن أموراً لا علاقة لها بهدنة وإنما تدعو إلى خضوع كامل لمن يملي علينا كيف نفكر في المستقبل، وماذا نقول ولا نقول، وكيف ستخضع المناهج الدراسية لإعادة نظر لإزالة ما فيها من مواقف لا تليق مع المرحلة التي سينتقل اليهود من خانة العدو إلى خانة الصديق، وأن مجرد توقيع الدول العربية على هذه الاتفاقيات سيجعل التحلل منها مستحيلاً مهما تغيرت الظروف، وذلك لأن مخالفتها ليست إعلاناً للحرب على اليهود فقط، بل هو على العالم بأسره.
ولكن الشيخ كان صامتاً ولم يبين بياناً شافياً في هذا الصدد.
ومن الأخطاء الكبيرة التي تورط فيها الشيخ نسيانه أمراً مهماً؛ وهو أنه لا مشابهة بين حالة اليهود في فلسطين وبين أي عدو واجهه المسلمون عبر التاريخ، فمقارنة الشيخ اليهود بالمشركين في مكة مقارنة فيها نظر، فالمشركون هم أهل مكة، ليسوا طارئين عليها، والمشركون الذين حاربهم الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بلاد، أما اليهود؛ هؤلاء فهم دخلاء على اي شبر في فلسطين، جاؤوا من جميع أنحاء العالم - من روسيا ومن أوربا ومن البلاد العربية - ولم يفتحوا هذه البلاد فتحاً ويهزموا اهلها في حرب متكافئة، وإنما استغرقت القضية مدة طويلة، وجرى فيها عهود ومواثيق ومعاهدات وخيانات من زعامات وتنازلات والتزامات. . .
كل ذلك أوصل إلى هذه الكوارث المتلاحقة التي لم تحل بأهل فلسطين وحدهم بل بالمسلمين جميعاً - كل بحسب قربه من موقع الكارثة - وهذه المعاهدات الحالية المثقلة بكل حيف وصلف من قبل القوى الكبرى ضد العرب والمسلمين هي حلقة في تلك السلسلة الطويلة من الخداع والمداورة التي بدأت منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني في " بال " بسويسرا عام 1897 م.
ما أعدل كلمة العلماء التي جاءت في ختام مناشدتهم للشيخ، وما أحراه - حفظه الله - أن يرعيها سمعه، ويقف عندها طويلاً، وهي قولهم؛ " فلا أقل من أن يحفظ علماء المسلمين سمعتهم من ان تنالها الألسنة بسوء، نتيجة اجتهاد كانت الأمور كلها ستتم - والله أعلم - دون الحاجة إليه ".
مجلة السنة، العدد الخامس والأربعون، رمضان 1415هـ